علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

587

شرح جمل الزجاجي

كان فيه من وصف الديار على هذا الفعل المضمر . وأما " أقائما وقد قعد الناس " ؟ و " أقاعدا وقد سار الركب " ؟ ، و " عائذا باللّه " ، وبابه من الأسماء الموضوعة موضع الفعل في الخبر فذلك العامل فيها تقديره : أتقوم قائما وقد قعد الناس ؟ وأتقعد قاعدا وقد سار الركب ؟ وأعوذ عائذا باللّه . ونظير ذلك من الحال المؤكدة قوله تعالى : وَأَرْسَلْناكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا " 1 " . فإن قلت : فهلّا كان الفعل المضمر " أتكون " أو غيره ، مما ليس من لفظ الاسم حتى تجيء الحال مبيّنة ؟ فالجواب : إنّه ليس في الكلام ما يدل على المضمر إلّا لفظ الاسم ، فقدّر الفعل المضمر لذلك من لفظه . والوجه الآخر أن تكون هذه الأسماء مصادر على وزن " فاعل " كالعافية والعاقبة . ف " أقائما " ، و " أقاعدا " ، و " عائذا " بمنزلة : أقياما ، وأقعودا ، وعياذا باللّه ، ونابت مناب أفعالها التي من لفظها ، ولم يجز إظهار الفعل الناصب لها ، لأنّها لما وضعت موضع الفعل ، وتحملت الضمير ، جرت فلم يدخل عليها الفعل كما لا يدخل على الفعل نفسه . وأدخل أبو القاسم في هذا الباب ما ليس منه . فمن ذلك " حمدا وشكرا " ، و " غفرانك " ، و " سعة ورحبا " ، وذلك من قبيل الأسماء المنتصبة بإضمار فعل ويجوز إظهاره . من ذلك " كلّمته مشافهة " ، و " لقيته فجأة وكفاحا " ، و " قتلته صبرا " ، و " لقيته عيانا " ، و " أتيته ركضا وعدوا ومشيا " . وجميع ذلك ليس من هذا الباب ، بل هي منتصبة بهذه الأفعال الظاهرة على الحال . وذلك أنّ " ركضا " في الأصل منتصب بفعل مضمر هو في موضع الحال تقديره : أتيته أركض ركضا ، ثم حذف الفعل وأقيم المصدر مقامه ، فصارت منتصبة ب " أتيت " على أنه حال لقيامه مقامه ، فأعرب بإعرابه . فمن راعى أنّ هذه المصادر منتصبة في الأصل بأفعال مضمرة جعلها من هذا الباب ، ومن راعى أن العامل في اللفظ إنّما هو الفعل لقيامه مقام الحال لم يجعله من هذا الباب .

--> ( 1 ) سورة النساء : 79 .